أبو علي سينا
167
التعليقات
[ لا يصح صدور فعل إلا عن متصور ] لا يصح صدور فعل إلا عن متصور ، فما لم يكن تصور لم يصح فعل . والعقل الذي بالقوة لا يصدر عنه فعل ، إذ لا تصور له بالفعل . والعقول الفعالة إنما تصح تأثيراتها وصدور الأفعال منها لتصوراتها التي لها بالفعل ، وكلما كان أشد تصورا ، يكون أتم فعلا ، إلى أن ينتهى إلى الأول الذي ليس فيه شئ بالقوة . فلذلك يلزم أن يكون صدور كل موجود عنه ، ولا يجوز أن يكون الأول جسما ، لأن الجسم تدبره نفس ، والنفس يكون تصورها بالقوة ، وتحتاج إلى مصور يصور لها الأشياء ، ويخرجها من القوة إلى الفعل ، فإنها تؤثر في نفوسنا ، ولا تؤثر نفوسنا فيها ، لأنها غير متشعبة القوى . ونحن فقوانا متشعبة ، يصد بعض القوة بعض القوة عن فعلها بالتمام ، كما تشغل القوة الحاسة القوة الخيالية عن فعلها بالتمام ، فإذا لم تشغلها تم فعلها ، كالحال في المنام . والكواكب لا تصدّ بعض قواها بعضا ، فيصح صدور الفعل عنها بالتمام ، وقواها غير متشعبة ، بل كأنها قوة واحدة . فالقوة الباصرة فيها هي القوة السامعة ، وهي القوة المتصورة ، فكأنها متوفرة على قوة واحدة ، فلهذا تؤثر فينا ولا نؤثر فيها . [ موضوع المنطق ] موضوع المنطق هو المعقولات الثانية المستندة إلى المعقولات الأول ، من حيث يتوصل بها من معلوم إلى مجهول . وشرح ذلك أن للشئ معقولات أول ، كالجسم والحيوان وما أشبههما ، ومعقولات ثانية تستند إلى هذه ، وهي كون هذه الأشياء كلية وجزئية وشخصية . والنظر في إثبات هذه المعقولات الثانية يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة . وهي موضوعة لعلم المنطق لا على نحو وجودها مطلقا ، فإن نحو وجودها مطلقا يثبت هناك ، وهو أنها هل لها وجود في الأعيان أو في النفس - بل بشرط آخر ، وهو أن يتوصل منها من معلوم إلى مجهول . وإثبات هذه الشريطة يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة ، وهو أن تعلم أن الكلى قد يكون جنسا ، وقد يكون فصلا ، وقد يكون نوعا ، وقد يكون خاصة ، وقد يكون عرضا عاما . فإذا أثبت في علم ما بعد الطبيعة الكلى الجنسي والكلى النوعي ، صار الكل حينئذ بهذا الشرط موضوعا لعلم المنطق ، ثم ما يعرض للكلى بعد ذلك من لوازمها وأعراضها الذاتية يثبت في علم المنطق . وللجهات أيضا شرائط تصير بها المعقولات الثانية موضوعة لعلم المنطق ، وهو أن نعلم أن الكلى قد يكون واجبا أو مطلقا أو ممكنا ، فقد يصير بذلك الكلى موضوعا لعلم المنطق ، وأما تحديد هذه الأشياء وتحقيق ماهياتها ، فيكون في علم الطبيعة ، لا في علم ما بعد الطبيعة ، كالحال في تحديد موضوعات سائر العلوم . ومثال المعقولات الثانية